أحمد بن محمد القسطلاني

239

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

على اليمين تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه ، إلى الخصب والسعة . أخرجه الدارقطني بسند رجاله ثقات مرسلاً ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه بلفظ : حوّل رداءه ليتحوّل القحط . وزاد أحمد : وحوّل الناس معه ، وهو حجة على من خصه بالإمام . ولأبي داود ، والحاكم : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، استسقى وعليه خميصة سوداء ، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها ، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه . فهمه بذلك يدل على استحبابه ، وتركه للسبب المذكور . والجمهور على استحباب التحويل فقط ، ولا ريب أن الذي اختاره الشافعي أحوط . ولم يقم في حديث عبد الله بن زيد سبب خروجه عليه الصلاة والسلام ، ولا صفته حال ذهابه إلى المصلّى ، ولا وقت ذهابه . نعم ، في حديث عائشة المروي عند أبي داود وابن حبان : شكا الناس إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قحط المطر ، فأمر بمنبر وضع له في المصلّى ، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه ، فخرج حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر . . . الحديث . وبهذا أخذ الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة ، فقالوا : إن وقت صلاتها وقت العيد ، والراجح عند الشافعية : أنه لا وقت لها معين ، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد ، بل جميع الليل والنهار وقت لها ، لأنها ذات سبب . فدارت مع سببها كصلاة الكسوف . لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح به الماوردي وابن الصلاح لهذا الحديث . وعند أحمد وأصحاب السنن من حديث ابن عباس : خرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متبذلاً متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلّى ، فرقي المنبر ، أي لابسًا ثياب بذلة ، بكسر الموحدة وسكون المعجمة ، المهنة ، لأنه اللائق بالحال ، وفارق العيد بأنه يوم عيد ، وهذا يوم مسألة واستكانة . وفي الرواية السابقة ، أول الاستسقاء : وحول رداءه ، بدل قوله هنا فقلب رداءه . وهما بمعنى واحد . وأعاد الحديث هنا لأنه ذكره أولاً لمشروعية الاستسقاء والخروج إلى الصحراء ، وهنا لمشروعية تحويل الرداء خلافًا لمن نفاه . 1012 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبَاهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ " . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ لأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ ، مَازِنُ الأَنْصَارِ . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : حدّثنا عبد الله بن أبي بكر ) ، أخو محمد بن أبي بكر السابق ، ولأبي ذر ، وعزاه العيني كابن حجر للحموي والمستملي : عن عبد الله بن أبي بكر ، وقد صرح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبد الله به لا بن عيينة ( أنّه سمع عباد بن تميم ) المازني ( يحدث أباه ) أي أبا عبد الله بن أبي بكر ، ولا يعود الضمير على عباد ( عن عمه عبد الله بن زيد ) أي ابن عاصم . ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، خرج إلى المصلّى ) بالصحراء ، لأنه أبلغ في التواضع وأوسع للناس . ( فاستسقى ، فاستقبل ) بالفاء ، ولابن عساكر . واستقبل ( القبلة ، وقلب ) ولأبي ذر : وحول ( رداءه ، وصلّى ) بالناس ( ركعتين ) أي : كما يصلّي في العيدين . رواه ابن حبان وغيره . وقال الترمذي : حسن صحيح . وقياسه : أن يكبر في أول الأولى : سبعًا ، وفي الثانية : خمسًا ، ويرفع يديه ويقف بين كل تكبيرتين مسبحًا حامدًا مهللاً ، ويقرأ جهرًا في الأولى { ق } وفي الثانية { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } [ القمر : 1 ] أو { سبح } و { الغاشية } . واستدلّ الشيخ أبو إسحاق ، في المهذّب له ، بما رواه الدارقطني : أن مروان أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سنة الاستسقاء ؟ فقال : سنة الاستسقاء الصلاة كالصلاة في العيدين ، ألا أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قلب رداءه . فجعل يمينه يساره ، ويساره يمينه ، وصلّى ركعتين كبر في الأول سبع تكبيرات ، وقرأ { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } [ الأعلى : 1 ] وقرأ في الثانية : ( هَلْ أَتَاكَ } [ الغاشية : 1 ] وكبر خمس تكبيرات . لكن قال في المجموع : إنه حديث ضعيف . نعم ، حديث ابن عباس عند الترمذي ، ثم صلّى ركعتين كما يصلّي في العيدين ، كما مر . . . أخذ بظاهره الشافعي ، فقال : يكبر فيهما كما سبق . وذهب الجمهور إلى أنه : يكبر فيهما تكبيرة واحدة للإحرام كسائر الصلوات . وبه قال : مالك ، وأحمد ، وأبو يوسف ، ومحمد ، لحديث الطبراني في الأوسط ، عن أنس : أنه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، استسقى ، فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة ، وحول رداءه ، ثم نزل فصلّى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة . وأجابوا عن قوله ، في حديث الترمذي : كما يصلّي في العيدين ، يعني : في العدد والجهر بالقراءة ، وكون الركعتين قبل الخطبة . ومذهب الشافعية والمالكية : أنه يخطب بعد الصلاة ، لحديث ابن ماجة وغيره : أنه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ